لقد مر المعجم العربي بمراحل متدرجة حتي نضج و اكتمل نوعاً ما و أصبح ما هو عليه الآن و قد اعتبر بعض الباحثين ان مراحل المعجم العربي هي ثلاث و انها كانت متلاحقة بانتظام[1] و اعتقد البعض الآخر بأنها خمس مراحل[2] .هذا فضلاً عمن فرق بين وضع المعجم علي المعاني و بين وضعه علي الأصول قائلاً : ‌‍« … و الحق ان وضع المعجم علي المعاني ليس بمرحلة و إنما فنٌ يعمل في الناحية الأخري التي يعمل في مقابلتها المعجم علي الأصول، فهي مرحلة تاريخية لالحقاية . و تأخّر المعجم علي الأصول إنما كان نتيجة طبيعية لأن العمل الصرفي ابتدأ الحقيقة بعد الخليل . والمعاجم علي هذه الملاحظة كانت لخدمة التصريف قبل كل شيء .»[3]

ان المتتبع لتطور اللغة العربية يلحظ أن هذه اللغة قد بلغت مع نهاية القرن الرابع الهجري قمة نموّها في الوقت الذي بلغت فيه الحضارة الإسلامية من علوم و فنون و آداب ذروتها. و كانت العربية طوال هذه القرون تواكب التطور الحضاري و تسير معه جنباً إلي جنب ، فخلفت ثروة هائلة من الألفاظ و المصطلحات في شتي نواحي الحياة و بناءً علي هذا نستطيع أن نقسم مفردات اللغة العربية إلي مجموعتين كبيرتين:

1-    المجموعة الأولي: تتمثل في المفردالت العربية قبل الإسلام و انتشاره المتمثلة في لغة الشعر الجاهلي و الخطب و الرسائل (ذات موضوعات محددة) و التي جمعها الرواة .

2-    المجموعة الثانية : و تتمثل في المفردات و المصطلحات العلميه و الحضارية التي أخذت تظهر بعد انتشار الإسلام و الفتوحات و مع تطور الحياة العربية من البداوة إلي الحضارة و شاعت في بيئات العامة والخاصة علي السواء.

وقد ظل الأمر علي هذا المنوال حتي مطلع العصر الحديث عندما شعر الناطقون بالعربية و المهتمون بها بان المعجم اللغوي العربي لايمثل اللغة التي يستخدمونها كما ان اتصالهم بالحضارة الغربية الحديثة و رغبتهم في مسايرتها في العلوم و الفنون و الآداب و… اشعرتهم بحاجتهم إلي معجم يدفع عنهم هذا الفيض من الكلمات الأجنبيه الذي أخذ يغزو العربية في صورة هذه الحضارة الحديثة . و من هنا يتجلي بكل وضوح أهمية المعجم و دوره في استيعاب المفاهيم من خلال المفردات التي يتم توظيفها في فضاء زمني و مكاني خاص .«أما علم المعاجم فهو فرع من فروع علم اللغة يقوم بتصنيف و دراسة مفردات أي لغة بالإضافه إلي شرح معناها أو دلالتها المعجمية (Lexical Meaning) استعداداً لعمل المعجم . فلابد إذن ان نفّرق بين هذا العلم و الفرع التطبيقي له اي فن صناعة المعاجم (lexcicography) الذي يهتم بصناعة المعجم و الأصول التي تقوم عليها انواع المعاجم و نظم ترتيب المفردات و شرحها داخل المعجم»[4] و فن صناعة المعجم من الفنون العريقة في التراث العربي. فأول معجم عرفته اللغة العربية هو معجم « العين » للخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 175  )، ثم توالي من بعده التأليف في المعاجم العربية، فظهرت انواع من المعاجم مختلفه الترتيب و الحجم و الهدف و قد حاول كثير من المحدثين دراسة المعاجم العربية من حيث نشأتها و تطورها و انواعها و المدارس المختلفة التي تحدثت عنها و عن صناعتها. فهناك المعاجم الموسوعية و المعاجم اللغوية و المعاجم التاريخية و الاشتقاقية و المعاجم الوصفية و المعاجم الخاصة و العامة ( التي تتناول دائره محددة من الاستعمالات او دائره عامه ) و المعاجم الأحادية اللغة و المعاجم الثنائية اللغة و المعاجم الموضوعية او معاجم المعاني.

اما إذا ما اردنا أن نورخ لعملية تطور المعجم العربي فيمكننا القول أن أولي مراحل هذا التطور قد بدأت في بداية نزول القرآن الكريم و التي سميت عند بعض الباحثين بمرحلة«التفسير الشفوي» حيث كان العرب و غير العرب يتساءلون عن معاني بعض المفردات القرآنيه المستعصية علي فهمهم او الغربية عن أذهانهم ، فقام بعض الصحابه و التابعين ( كابن عباس ) بشرح و تفسير هذه المفردات و ذلك لاطلاعهم الوافر علي لغة العرب و معرفتهم بلهجاتها . و كانت تبذل هذه الجهود بشكل شفوي. و لكن المرحلة التي تليها و هي مرحلة « الجمع العام »  ، كانت محاولة لجمع اللغة – بشكل غير منظم – او جمعها في سياقاتها المختلفته و تورخ هذه المرحلة باواخر القرن الاول و اوائل القرن الثاني و فيها ظهر الاعتماد علي الكتابة ، الي جانب المشافهة القائمة علي الحفظ. وفي هذه المرحلة ايضاًعرفت رواية اللغة و من اشهر رواتها:«ابوالبيداء» و «ابو الدقيش» و  « ابوعمر بن كركره» و «ابو خيرة العدوي »و بعد ذلك بدات عملية تجريد اللغة من سياقاتها المختلفة و تدوينها وفق نظم معينه في اطار المعاني و الموضوعات ، فظهرت رسائل صغيرة في النبات و الحشرات و اللبن و الطير و النحل و العسل و…و ممن ألّف في هذا الفن: « ابو زيد الانصاري» ( ت 215) و «الاصمعي» ( ت 215) و «بن الاعرابي»  ( ت 231  ) و «النضر بن شميل» ( ت 241  ). ( وهي مرحلة الرسائل الخاصة) و تاتي مرحله « المعاجم و الموضوعات العامه » ، حيث قامت هذه المرحلة علي ما ألّف في المرحلة السابقه من رسائل لغوية ، فقد عكف بعض العلماء علي جميع تلك الرسائل و تصنيفها في معاجم مطولة بحسب المعاني و الموضوعات كما فعل « ابو عبيد القاسم بن سلام » ( ت 224 ) في « الغريب المصنف» ( و سياتي ذكره لانه يعتبر صاحب مدرسة في هذا المجال) و « ابن السكيت » ( ت 244  ) في « الالفاظ» و « كراع» ( ت 310  ) في « المنتخب» . واستمرت هذه المرحله مواكبة للمرحلة التالية ، فالف فيها علماء في القرن الخامس كالثعالبي ( ت 429  ) في « فقه االغة» و  ابن سيدة( ت 458  ) في «المخصص» . اما معاجم الالفاظ و هي المعاجم المجنسة المطولة هي مرحلة تعد امتدادا طبيعيا لما قبلها . هذا نشاط علماء اللغة في تاليف المعاجم علي مختلف مستوياتها الخاصة منها و العامة و المطولة و المختصرة و في التاليف  اللغوي و وضع قواعد المعجم العربي و مناهجه. غير أن هناك طفرة أو مفارقة كما تبدو قد حدثت و كأنها غير طبيعية و قد عبر عنها أحد الباحثين قائلاً : «ما يعكر صفو هذا التسلسل المطرد أن رائد المعجم العربي – بعامة- و معاجم الالفاظ – بخاصة- الخليل بن احمد (ت 175  ) قد سبق مرحلته بل سبق التي قبلها. ويمكن توجيه ذلك بان عمل الخليل كان طفرة في التفكير المعجمي سبقت زمنها. بدليل الفجوة الزمنية بينه و بين صناع المعاجم للالفاظ، كابن دريد ( ت 321  ) في جمهرة اللغة و القالي ( ت 358  ) في البارع و الازهري ( ت 370  ) في تهذيب اللغة و الصاحب بن عباد ( ت 385  ) في المحيط و الجوهري ( ت 393  ) في الصحاح و ابن فارس(ت 395) في مجمل اللغة و مقاييس اللغة و ابن سيده ( ت 458  ) في المحكم و هي طفرة تناسب الخليل و خياله الخصب»[5] رغم ان هناك اختلافا او بالاحري ان نقول تساولا حول « ابي عمرو الشيباني» و « الخليل» يطرحه بعض الباحثين و علماء اللغة و هو « من السابق منهما الي ابتكار المعجم العربي؟» ذلك ان ‌‌‌‌‌[« «ابا عمرو» ولد سنة 94 و الخليل سنة 100 و توفي الخليل سنه 170 او نحو 175 و عمر ابو عمرو طويلا فقيل : عاش مائة و ثماني عشرة سنة و قيل غير ذلك. و كتابه « الجيم » معجم لغوي مختصر جمع من اللغة كثيرا من مفرداتها. و كان معروفا بانه صاحب ديوان اللغة و قد اجمع العلماء علي توثيقه و ثبت انه الف كتاب الجيم و هو معجم عظيم و له اسمان آخران هما : كتاب الحروف و كتاب اللغات.ولهذا يعد «ابو عمر» اول من رتب المعجم حسب اوائل الحروف ‍[6]] رغم هذا و كل ما قيل فان اجماع اللغويين و الباحثين يشير بشكل عام الي ان الخليل هو اسبق العلماء الي فكرة المعجم و التاليف. و لهذا يقول « الشيخ عبدالله العلايلي» : «… علينا اذن ان نترك سراعا ماقبل الخليل و نقف عنده لانه اقدم من عرف له معجم واسع المادة يتناول من اللغه اشيائها الجمة في شيء من الحصر او في حصر حقيقي علي الحروف …»[7]

المدارس المعجمية

وتطور المناهج في صناعة المعجم العربي

اما عن فكرة المعجم او عن اسس التفكير المعجمي فهي كما توصل اليه الباحثون هي فكرة نحوية اي انها من صنيع اللغويين و منتزعة من صميم اختصاصهم. فمن هنا يمكن استخلاص تصنيف المعجم العربي في مناهج ثلاثة كما يمكن ان نشير الي مايعرف ب«المدارس المعجمية»:

1- المنهج الاول : هو منهج الخليل في كتابه « العين » [ و اعظم ما ظهر عليه و سارعلي هذا المنهج هو « ابن سيدة » في كتابه « المحكم » و « ابن دريد » في «الجمهرة » و قد اصبح هذا المنهج  مدرسة في علم المعاجم ، تعرف ب« مدرسة التقليبات » او « الحرف المطلق» و اساس الترتيب فيها ان توضع الكلمة في الحرف الاسبق وفق الترتيب الصوتي المخرجي ، فيبتدي بابعد الحروف مخرجا و هو « العين» ( ع) و ينتهي بالحروف الشفوية و الهوائية ( واي)...] [8] و هناك من سماها بمدرسة الخليل و قال فيها : [ قوام مدرسته  ترتيب المواد علي الحروف حسب مخارجها و تقسيم المعجم الي كتب و تفريع الكتب الي ابواب بحسب الابنية و حشد الكلمات في الابواب و قلب الكلمة الي مختلف الصيغ التي تاتي منها.‍‍‍‍] [9] ( و قد تكون سميت لهذا السبب بمدرسة التقليبات) و يشير إلي هذا أيضاً الدكتور ‹‹ صبحي الصالح›› مؤكداً بقوله : ‹‹ .. و يميل بعض الباحثين المعاصرين إلي القول بأن أصحاب الإشتقاق الكبير اقتبسوا فكرة تقليب الأصول من معجم العين للخليل و أمثاله ؛ فقد سلك صاحب العين و صاحب الجمهرة (ابن دريد) و غيرهما مسلكاً عجيباً في تركيب الكلمات ، فكان كل منهم حين يعرض لشرح كلمة من الكلمات يذكر معها تقلباتها ، و يذكر معني كل صورة من صورها دون التعرض للربط بين دلالات تلك الصور …. فلما جاء أصحاب الإشتقاق من أمثال ابن جني و ابن فارس ربطوا أيضاً بين دلالات تلك الصور ، استنبطوا معاني عامة مشتركة بينها ، و سمي هذا بالإشتقاق الكبير .››[10]

و يذكر ان «الازهري» في « التهذيب» و «ابن عباد» في « المحيط» و « القالي» في « البارع» قد ساروا علي هذا النهج.

2- المنهج الثاني : هو منهج ابن فارس في كتابه «مقاييس اللغة» الذي يقول فيه « الشيخ العلايلي»: « لا اعلم احدا سبقه الي الوضع علي مثاله » و مما يعرف به هو إتيانه بالنحت اللغوي أو توسعه لهذا المذهب الذي هو كما يعبر عنه ابن فارس ‹‹ جنس من الإختصار›› . يقول الدكتور ‹‹ صبحي الصالح›› : ‹‹ و يعد ابن فارس إمام القائلين بالنحت بين اللغويين العرب المتقدمين ، فلم يكتف بالإستشهاد علي هذه الظاهرة اللغوية بالأمثلة القليلة الشائعة التي ربما لا تتجاوز الستين عدداً ، بل ابتدع لنفسه مذهباً في القياس و الإشتقاق ، حين رأي أن الأشياء الزائدة علي ثلاثة أحرف فأكثرها منحوت .. ››[11] و ممن سار علي هذا النهج كما يشير « العلايلي» في كتابه القيم « مقدمه لدرس لغة العرب و …»: هو «الصاحب بن عباد» في المحيط و« الزمخشري » في الاساس و «الغيومي» في المصباح المنير. و « ابن فارس » هذا هو « ابو الحسين احمد بن زكريا بن فارس » (395  ) ، [ اتبع في تاليف «مقاييس اللغة» منهجا لم يسبق اليه احد.. و يقصد ابن فارس من « المقاييس» مايقصده اللغويون من « الاشتقاق الكبير» الذي يرجع مفردات كل مادة الي معني او معان تشترك فيها هذه المفردات . علي سبيل المثال يرد ابن فارس في ‹‹ المقاييس ›› ‹‹ .. يرد أصل (باب القاف و الطاء و ما يثلثهما) إلي معني القطع ، فيراه في (قطع) الذي يدل علي صرم و إبانة شئ من شئ ، و في (قطف) الذي هو يدل علي أخذ ثمرة من شجرة ، و في (قطل) الذي يدل علي قطع الشئ ، و في (قطم) الذي يدل علي قطع الشئ أيضاً ، فالعين و الفاء و اللام و الميم جاءت أحرفاً زائدة علي الأصل الثنائي (قط) فخصصت معني القطع و نوعته بين الصرم و الإبانة و الأخذ ، و رددته تبعاً لأصواتها بين درجات الشدة و الغلظة في إحداث القطع ..››[12] فهو  لم يرتب مواده كالعين بحسب مخارج الحروف و نظام القلب و لم يتبع طريقة ابن دريد في الجمهرة حيث التزم في ترتيبه اوائل الحروف و ذكر الكلمة و ماينشا عنها من مفردات بعد قلب الكلمة التي تجيء في الباب، و لم ينهج منهج الصحاح بل سلك طريقا خاصا به ، فهو قد قسم مواد اللغة الي كتب تبدا بكتاب « الهمزة » و تنتهي بكتاب «الياء» و قسم كل كتاب الي ابواب ثلاثه : باب الثنائي ( المضاعف و المطابق )، ابواب الثلاثي( الاصول من المواد )، و باب ما جاء علي اكثر من ثلاثه احرف اصلية][13] و تحول فيما بعد هذا المنهج أيضاً إلي مدرسة تعرف بمدرسة «الصدر» أو « الحرف الاول» لانها [ تقوم في نظامها علي وضع الكلمة تحت اول حروفها الاصول ، فيقسم المعجم ثمانية و عشرين بابا بعدد حروف المعجم و يراعي في ترتيب الكلمات – في كل باب – الحرف الثاني فالثالث فالرابع فالخامس .ان وجد...]( نقلا عن كتاب تداخل الاصول اللغوية …للصاعدي).

3- المنهج الثالث : هو منهج الجوهري في كتابه « الصحاح» ، وفيه تتمثل العقلية اللغويةعلي تمام قوتها و ملكة التصريف الفلسفي و يعطي صورة من بلوغ المنطق في اللغة (علي حد تعبيرالشيخ العلايلي) و يعتقد « العلايلي» ايضا: ان من انتهج منهجه و اهم ما ظهر عليه هو العباب ، للصغاني و اللسان ، لابن منظور و القاموس ، للفيروز آبادي و ملخص الاساس ، للزمخشري . و هذا المنهج هو مدرسة كذلك في علم المعاجم تنسب الي هذا العالم اللغوي باسم « مدرسة الجوهري» [ الذي ابتكر في التاليف المعجمي منهجا قرب اللغة الي الباحثين. و مئات المعاجم و الكتب اللغوية مرتبة ترتيب الجوهري مما يدل علي عظمة مدرسته.  نظام هذه المدرسة هو ترتيب المواد علي حروف المعجم باعتبار آخر الكلمة بدلا من اولها ، ثم النظر الي ترتيب حروف الهجا ء عند ترتيب الفصول و الاول سماه بابا و الثاني فصلا ، فكلمة «بسط» يبحث عنها في باب « الطاء» . و لم يقف إمام هذه المدرسة عند الحرف الثالث في الرباعي و الرابع في الخماسي حتي يكون الترتيب دقيقا.] [14] و تسمي ايضا ب« مدرسة القافية» او « الحرف الاخير  » و ذلك لانها [ تقوم علي تقسيم المعجم سبعة و عشرين بابا بعدد حروف المعجم باعتبار الحرف الاخير لاصل الكلمة ] [15] و من نافل القول ان نشير هنا الي نقطة ظريفة و دقيقة عن المدارس و المناهج المعجمية ، و هي ان المناهج ليست بالضرورة مدارس معجمية او ان المنهج المعجمي ليس بالضرورة يؤدي الي تاسيس مدرسة في علوم المعاجم. ولكن المدارس العلمية تخلق و تؤسس – بالتاكيد – منهجا خاصا بها . و ذلك يتبين من خلال التعاريف العلمية لكل من مصطلح « المنهج» و «المدرسة» ، فالمنهج ( Method) هو السبيل الذي يوصل الباحث او المفكر الي غايته[ و « هو قبل كل شي اسلوب منطقي ملازم لكل عملية تحليل ترتدي الطابع العلمي ».«اما المدرسة ، فيراد بها ، ان مجموعة باحثين عملوا في اطار معين و محدد و تميزوا بتجارب و ابحاث ادت بهم الي بلورة ، منهج جديد في العلوم»][16] فلهذا  قد يجد الباحث في اول الامر او القاري و المتتبع لعلم المعاجم و صناعتها و تاريخ تطورها خلطا او التباسا في المفاهيم  و اعتقد ان ذلك يرجع لسببين رئيسين هما : عدم دقة بعض الباحثين و الكتاب في ضبط المفاهيم و استخدام المصطلحات كالمنهج و المدرسة و… و تداخل بعض المعاجم و كتابها في المناهج و الاساليب . علي سبيل المثال ، فان « ابن دريد» انتهج منهج الخليل ولكن شذ عنه في الترتيب اذ رتب كتابه علي حروف المعجم و عني كثيرا بترتيب الحروف جاعلا اساسه الابنية و… او ان « ابا عبيد ( القاسم بن سلام ) صاحب كتاب « الغريب المصنف» و هو من معاجم اللغة لم اجد له في ما قرات من الكتب و الابحاث منهجا خاصا يعرف به او ان يقال عنه منهج ابو عبيد و لكن هناك من كتب عن « مدرسة ابي عبيد» الي جانب مدرسة الخليل و مدرسة الجوهري  و يزعم أصحاب هذا الرأي عن هذه المدرسة بأنها هي التي تنتسب الي احد ائمه اللغة و الادب … و قواعدها بناء  المعجم علي المعاني و الموضوعات و ذلك بعقد ابواب و فصول للمسميات التي تتشابه في المعني او تتقارب و كانت طريقه ابي عبيد من اولي المراحل التي بدا فيها التاليف اللغوي و لكن بدا كتبا صغيره، كل كتاب يولف من موضوع ، مثل كتاب الخيل و كتاب اللبن و…» و ان « صاحب بن عباد» يعتبر في كتابه « المحيط» ممن حذا حذو « ابن فارس» و مشي علي نهجه الا انه انفرد ( علي رواية مقدمة الصحاح) عن كل مولفي المعجمات التي سبقته او عاصرته في المجاز و في اغفال الشواهد ، و امتاز محيطه بالسعة و الحفول بالمواد ، فقد استبدل بما اغفل من شواهد ، مواد كثيره فكان محيطه – من ناحية الكم – اوسع معجم معروف حتي عصره. او حتي ان « الزمخشري» في  « ملخص الاساس»  يكون مرة في المنهج الثاني ( ابن فارس) و اخري في المنهج الثالث ( الجوهري ) و كل مرة يصنف من حيث الزاوية التي ينظر اليها الباحث. هذا بالاضافة الي ان بعض ائمه اللغة و مولفي المعاجم هم انفسهم انتهجوا في كتبهم اكثر من منهج فاذا ما عدنا الي « صاحب بن عباد» فنجد صاحب مقدمة الصحاح يقول عنه: « … الف كتبا جليلة منها: الوزراء ، و العروض و الوقف و الابتداء و جوهرة الجمهرة و المحيط و هو – اي المحيط – معجم لغوي كبير ، ينهج فيه نهج الخليل في العين و الازهري في التذهيب.» ان الشواهد و الامثلة علي ما نريد ايضاحه كثيرة جدا و لمن يريد ذلك فما عليه الا ان يتفصح الكتب التي كتبت و المعاجم التي دونت منذ  الخليل حتي هذا اليوم فضلا عن الابحاث و الدراسات التي عنيت بالمعجم العربي عناية فائقه و هي علي اشكال مختلفة مثل : التعليق و  التحشية ، الجمع بين المعجم و غيره من المعاجم ، الترجمة ، النقد، الاختصار، التذييل و الاستدراك.

علي كل حال وبما ان التغيير و التطور لايتحققان عموما الا بالمراجعه و النقد ، فقد كان لحركه النقد المعجمي اثرا بالغ الاهمية في عملية تطوير و تطور المعجم العربي في اشكاله المختلفه و مناهجه المتعدده و موضاعاته المتنوعة كما ذكرنا بصورة مقتضبة و سريعة ، ولكن الاهم هوان هذه الحركة النقدية ما توقفت بل استمرت نشطة قوية في العصر الحديث ، حيث ظهرت دراسات عامةتبحث في خصائص المعاجم العربية و في عيوبها او في خصائص شي منها و قد تميزت المعاجم المتاخرة بالدقةو البراعة فيما يتصل بالترتيب الداخلي لكل مادة و قدموا الافعال علي الاسماء و المجرد علي المزيد و المعني الحسي علي المعني المجازي و الفعل اللازم علي المتعدي و دخلت في تضاعيف هذا التنظيم دواعي الاختصار و استخدام الرموز و توظيف الرسوم و الصور في ايضاح المعني.

المعجم العربي في علم اللغة الحديث:

عندما نتكلم عن علم اللغة الحديث فيعني ذلك الاسس و القواعد و النظريات العلمية الحديثة التي بناها علماء الغرب في مجال اللغة و ابدعوا فيها و كان لهم الفضل في نشرها و عرضها علي الامم بما فيها الامة العربية . فالعرب تاثروا و استفادوا من هذا العلم الحديث في مختلف الفروع لاسيما في فرع المعاجم و كما ان هناك عند  الغربيين دراسات حول نظرية المعجم في علم اللغة الحديث او في اللسانيات الحديثة ، فالكتاب و الباحثون العرب ايضا قاموا بدراسات حول نظرية المعجم في اللسانيات الحديثة او جعلوه أي المعجم في دائرة التفكير اللغوي الحديث. إلا أننا لا ننكر أيضاً اعتماد الكتاب و اللغويين المعاصرين علي ما قدمه القدماء في هذا المجال . ‹‹ اهتم الكتاب و المفكرون في تلك الفترة في (بعث) العربية من جديد ، و في (تصحيح) مسارها ، و ذلك بالعودة إلي المؤلفات اللغوية القديمة مثل (درة الغواص) للحريري (1122م) … و قاد بطرس البستاني (1819-1883م) حملة إصلاح الوضع غير المرضي عن حال المعجمات العربية ، و تطوير المعجم العربي ، حيث جمع البستاني معجمه الشهير (محيط المحيط) في (1869-1870م) ، المكون من جزأين . و اعتمد في وضعه علي معجم (القاموس المحيط) للفيروزآبادي(1329-1415م) .››[17].  و لاننا نبحث في ( المعجم العربي) بالتحديد فنتجاوز النقاش و البحث حول نظريه المعجم عند العلماء الغربيين رغم اهميته للولوج في هذا القسم من الدراسة ، اذن علينا ان نفهم و نستوعب مفهموم « المعجم» في اللسانيات الحديثة قبل كل شيء . ان لمصطلح « المعجم» في الفكر اللغوي الحديث ( عند علماء اللغة المحدثين) مفهومان:

الاول عام : [ و هو مجموع الوحدات المعجمية التي تكوّن لغة جماعة لغوية ما...اي انه مجموع المفردات المكونة للغة ما  من اللغات و القابلة للاستعمال بين افراد الجماعة اللغوية ليعبروا بها عن اغراضهم.]

الثاني خاص: [ و هو انه مدونة المفردات المعجمية في كتاب مرتبة و معرفة بنوع ما من الترتيب و التعريف. وقد تكون المفردات المدونة مفردات مؤلف من المؤلفين ( مثل معجم الجاحظ) او ( معجم ابن خلدون ) او مفردات اللغة في فترة من فترات حياتها ( مثلا معجم عربية القرن الثالث ) او مصطلحات علم من العلوم ( مثل معجم الطب) و...][18]

« يتبين من تعريف المعجم- بمفهوميه- ان المفردات او الوحدات المعجمية هي المكونة له ، مثلما ان الاصوات هي المكونه لعلم الاصوات و الابنيه هي المكونه لعلم الصرف و الجمل هي المكونة لعلم النحو و…» [19] فاذا كانت المفردات ( الوحدات) المعجمية هي المكونة له، اذن في اي نظام من الانظمه اللغوية يكون المعجم او علم المعاجم؟ حيث ان اللغة العربية الفصحي ( كما يقول الدكتور تمام حسان) هي مكونة من انظمة لغوية ، هي النظام الصوتي و النظام الصرفي و النظام النحوي. و يتساول الدكتور« تمّام » بقوله: « و السؤال الذي ينبغي ان نعرف اجابته الان هو : هل يمكن ان يكون المعجم نظاما من انظمة اللغة كما كان النظام الصوتي و الصرفي و النحوي؟»[20]

ثم للاجابة علي هذا السوال يدعو الدكتور «تمام» الي النظر في الامورالثلاثه التي نسبها الي انظمه اللغة هل تتحقق للمعجم ام لا؟ و هذه الامور هي (أ) العلاقات العضوية و القيم الخلافية بين المكونات (ب) الصلاحية للجدولة( اي ان يوضع في صورة جدول) (ج) عدم امكان الاستعارة بين لغة و لغة. و بعد ذلك يتوصل الي ان المعجم لم يكن نظاما من انظمة اللغة و يستنتج قائلا: « … فلابد ان يكون منهج المعجم متجها الي دراسة «قائمه» من الكلمات تشتمل علي جميع ما يستعمله المجتمع اللغوي من مفردات» [21] اي ان المفهوم الاساسي للمعجم عند « تمام حسان » هو مفهوم « القائمه» و هذه المفاهيم طبعا اما ان تشير الي المحتوي او الي الوظيفة ، حيث « تستنتج من آراء اللغويين المحدثين مفاهيم اساسية للمعجم ، هي « قائمة» او «سجن» او «ذيل النحو». ولكل من هذه المفاهيم الثلاثة مفهوم فرعي يصله اما بمحتوي المعجم و اما بوظيفته واما بهما معا»[22] فمفهوم المعجم اذن من حيث المحتوي و المادة و من حيث الوظيفة والفائدة هو مختلف عند علماء اللغة المحدثين و اما من حيث الموضوعات التي يتناولها الباحثون المعاصرون و اللغويون المحدثون  فهي ايضا متنوعة و هامة [ و تتصل بفروع اساسية انبثقت من علم اللغة الحديث، منها( المعني المعجمي) – و ( فن صناعة المعجم) – و ( تنمية المادة المعجمية) ، و كل من هذه الموضوعات تتصل بعلم الدلالة(semantics) وعلم المفردات (vocabulary) و علم المعاجم (lexicology)

-    اما علم الدلالة فهو كما يعرفه علماء اللغة العلم الذي يدرس المعني سواء علي مستوي الكلمة المفردة او التركيب... غير ان بعض علماء المعاجم المعاصرين يعرفون علم الدلالة بانه ذلك الفرع من علم اللغة الذي يدرس المعني المعجمي][23] . اذن المفردات و الواحدات المعجمية نظرا لعلم الدلالة هي « دوال من اللغة الي موجودات من خارج اللغة. و لذلك كان من اهم مجالات المعجم البحث في العلاقات بين الرموز اللغوية و الموجودات.»[24]

[ اما علم مفردات فهو يدرس المفردات بمالها من صلة بمجالات محددة مثل:

1.       حصيلة المفردات التي يتصرف فيها المتكلم او الكاتب او الشاعر.

2.       مقدار الثروة اللفظية في لغة او لهجة معينة.

3.       مجموعة المصطلحات التي تستخدم في دائرة عمليه او فنية محددة.

4.       احصاء و مقارنة المفردات المستعملة في عدة لغات او لهجات.

5.       انواع المعاجم المستعملة في كل لغة و طرق تصنيفها.

6.       حصر و احصاء الالفاظ المقترضة من اللغات الاخري داخل لغة معينة][25]

و هكذا فان علم المعاجم او فرع المعاجم في علم اللغة الحديث ( اللسانيات) قد اخذ حيّزا كبيرا من الاهتمام و شغل الكثير من العلماء المختصين  بما يؤدي من دور اساسي و مؤثر في اللغة التي  لم تعد وسيلة للتعبير فحسب و انما هي نظام للتفكير.


[1] – ضحي الإسلام – أحمد أمين .

[2] – تداخل الأصول اللغوية و أثره في بناء المعجم – د. عبدالرزاق الصاعدي .

[3] – مقدمة لدرس لغة العرب و كيف نضع المعجم الجديد – الشيخ عبدالله العلايلي .

[4] – دراسات في اللغة و المعاجم – د. حلمي خليل .

[5] – تداخل الأصول اللغوية و .. – د. عبدالرزاق الصاعدي .

[6] – مقدمة الصحاح – أحمد عبدالغفور عطار .

[7] – مقدمة لدرس لغة العرب و .. – الشيخ عبدالله العلايلي .

[8] – تداخل الأصول اللغوية و .. – د. عبدالرزاق الصاعدي .

[9] – الكشف في المعاجم العربية – (مقال علي الإنترنت) .

[10] – دراسات في فقه اللغة – د. صبحي الصالح .

[11] – دراسات في فقه اللغة – د. صبحي الصالح .

[12] – دراسات في فقه اللغة – د. صبحي الصالح .

[13] – مقدمة الصحاح – أحمد عبدالغفور عطار .

[14] – الكشف في المعاجم العربية – (مقال علي الإنترنت) .

[15] – تداخل الأصول اللغوية و .. – د. عبدالرزاق الصاعدي .

[16] – معجم العلوم الإجتماعية – د. فردريك معتوق .

[17] – أزمة المصطلح العربي في القرن التاسع عشر – محمد سواعي .

[18] – مقدمة لنظرية المعجم – ابراهيم بن مراد .

[19] – مقدمة لنظرية المعجم – ابراهيم بن مراد .

[20] – اللغة العربية : معناها و مبناها – د. تمام حسان .

[21] – اللغة العربية : معناها و مبناها – د. تمام حسان .

[22] – مقدمة لنظرية المعجم – ابراهيم بن مراد .

[23] – دراسات في اللغة و المعاجم – د. حلمي خليل .

[24] – مقدمة لنظرية المعجم – ابراهيم بن مراد .

[25] – دراسات في اللغة و المعاجم – د. حلمي خليل .


موضوعات مرتبط: دروس و بحوث حول الادب

تاريخ : یکشنبه 25 اردیبهشت1390 | 11:5 | نویسنده : |
.: Weblog Themes By VatanSkin :.